ابن قيم الجوزية
574
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والإخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور . وتأمّل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل ، فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق ، وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي ، والذنوب كلها منها يدخل إليها ، ثم جعل في اليدين ، وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي ، ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى . ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة ، جعل مكانه المسح ، وجعل ذلك مخرجا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره ، كما ثبت عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال : « إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن ، فغسل وجهه ، خرج من وجهه كلّ خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء ، أو مع آخر قطر الماء ، فإذا غسل يديه ، خرج من يديه كل خطيئة كان يبطشها يداه مع الماء ، أو مع آخر قطر ، فإذا غسل رجليه ، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء ، أو مع آخر قطر الماء ، حتى يخرج نقيا من الذنوب » رواه مسلم « 1 » . وفي صحيح مسلم أيضا « 2 » ، عن عثمان بن عفان قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من توضّأ فأحسن الوضوء ، خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره » . فهذا من أجلّ حكم الوضوء وفوائده ، وقال نفاة الحكمة : إنه تكليف ومشقة وعناء محض ، لا مصلحة فيه ولا حكمة شرع لأجلها . ولو لم يكن
--> ( 1 ) مسلم ( 244 ) . ( 2 ) مسلم ( 245 ) .